التفكُّر عبادةٌ لطالما بعدنا عنها

وكالة التنمية حياةLDA
2020-12-13مشاهدات : 152

 

بقلم: د. أسماء جابر العبد

 

في عصرٍ طَغَتْ فيه الماديات، وتزاحمَت الشهواتُ، وتحجَّرتْ العيونُ، فلا تدمَعُ من خشية باريها، وغفلت القلوبُ في الصدور، فلا تكاد تعتبر أو تخشع لمسموعٍ أو مسطور، وجدنا أنفسنا نحتاج إلى من يُجدِّد لنا إيمانَنا، ويُذكِّرنا بعظمة ربِّنا، نحتاج إلى أن نعتزل قليلًا عن ضجيج حياةٍ أجهدَتْنا، ونسترجع عبادةً لطالما غفلنا عنها؛ إنها التفكُّر في هذا الكون الرحب؛ لنستطيع مواصلة الدرب وبلوغ القصد.

تدبُّرٌ عميقٌ يزيل الغشاوة، ويُحرِّك المشاعر، ويُخلِّص الضمائر، ويُحيي الأرواح، ويسكب فيها مشاعل النور؛ فيضيء جنباتها، ويجلو ظلماتها، إنه تقرير موقف الإنسان من الكون وموجد الكون.

كم من آيات تتراءى لذوي العقول والبصائر النافذة حين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض، ذاكرين ربهم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم؛ فيجدون أنفسهم تلهج بالدعاء ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ آل عمران: 191.

 نحتاج إلى استقبالٍ سليمٍ لهذه المؤثرات الكونية بلا حواجز تحجبها، ولا قيودٍ تحجزها، بصائر متفتحة، ومدارك شفَّافة، وحس مرهف، فندرك غاية وجودنا وسبب نشأتنا وقوام فطرتنا.

 تفكُّرٌ يصل بين القلب البشري ونواميس الكون الممتد؛ فترتعش الرؤى، وتهتزُّ المشاعر، عجائب كونية ونواميس دقيقة ربانية، قسمًا يستحيل أن يكون هذا باطلًا أو خداعًا.

إنه تداعي المشاعر عند أولى النُّهَى والبصائر؛ فتستشعر تقصيرها في حقِّ هذا الخالق العظيم بدعاءٍ خاشع العبارات، عميق النبرات، غزير العبرات.

 ينظرون بحكمةٍ في هذا الكون المفتوح، يُقلِّبون صفحاته، ويعتبرون بآياته، ثم تدبرٌ في آي القرآن، في عجيب نسقه وجمال تناسقه، وفي مخاطبته الإنسان بلغته، والتجاوب مع فطرته، واستجاشة أحاسيسه بحسنه وبلاغته، فيصلون بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية.

 فترد القلوب إلى النهج الصحيح لتعاملها مع هذا الكون العظيم، والقرآن الكريم، فتفيض بذكر الخالق وشكره ومعرفة جلالته وفضله.

 تفكَّرٌ وتدبُّر، ثم خشوعٌ وارتجاف، ثم ثمرةٌ واقعية من عملٍ وعبادةٍ مترتبةٍ على هذا النظر وتلك الاستجابة، مع خوف ورجاء وإنابة ودعاء، فتلقى القبول من رب الأرض والسماء ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ آل عمران: 195، نتيجة حتمية، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها
التعليقات


آخر الاضافات