هل يجوز نشر وعرض التحقيق في الجرائم إعلامياً ؟!

وكالة التنمية حياةLDA
2020-10-26مشاهدات : 115

القاضي صباح الداوودي

في الولايات المتحدة وأوربا التي تمتلك أنظمة قضائية وأجهزة تحقيقية قضائية متقدمة يُمنع منعا باتا تسريب أية معلومات فضلا عن الصور تخص قضية او حادث يكون موضوعا للتحقيق في جريمة ما ونشرها في وسائل الإعلام والإتصال العامة لأن هذا يشكل جريمة مستقلة أخرى بحد ذاتها,, مع ملاحظة أن هذا المنع موجود في قوانين معظم دول العالم ومنها القانون العراقي الذي نص بعض مواد قانون العقوبات فيه ومنها المادة (235)و(236) على عقوبات الحبس والغرامة لمن يقدم على تسريب او نشر اية معلومات متعلقة في التحقيق في جريمة ما هذا فضلا عن المحاذير والحظر الذي تنص عليها نصوص من مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي المعدل النافذ ومنها نص المواد(57) و(70)و(84) فضلا لمواد أخرى وكلها تتضمن حظرا ما سواءا صريحا او ضمنيا على المساس بسلامة التحقيق في جريمة ما أو حسن سيره وفق السياق القانوني هذا بالإضافة الى الكثير من القوانين الأخرى والتي تؤكد على مسألة ضرورة المحافظة على الكتمان والسرية في بعض مراحل التحقيق وعلى الكثير من القيود بشأن إباحة نشر اخبار عن التحقيق فيها كلا او جزءا هذا ناهيكم عن الدستور الذي يحث كثيرا على ضرورة المحافظة على ضمانات وحقوق المتهم والذي يمكن تلخيص هذه الإشارة اليها من ضمن المحاذير الخاصة بشأن ممنوعية ومحذورية نشر وقائع التحقيق في جريمة ما على العلن وإن كانت الضمانات الدستورية تلك تتكلم عن ضرورة المحافظة على حقوق المتهم فالمؤكد إن نشر صورة متهم ما في جناية او جنحة ومهما بلغتا من درجات الجسامة إنما هو فعل جرمي بدوره ويشكل جريمة بحد ذاته وإنتهاك صارخ ليس لحقوق المتهم وإنما هو من قبيل العبث بالأدلة في قضية تحقيقية لغايات ربما تكون بعيدة جدا عن كل حكمة او نفع للمجتمع ,,

إننا اليوم في العراق إزاء حالة غريبة بدأت تستشري منذ سنوات وتكاد تصبح ظاهرة عادية ,وهي حالة عرض الجريمة المرتكبة من أحد الأشخاص على الجمهور العام سواءاً من خلال إظهار المتهم نفسه عبر وسائل اعلامية ليقدم هو شرحا مسهبا عن كيفية اقترافه لجريمته او من خلال عرض الصورة المرئية الحية او الفيديو المحرز لكاميرات المراقبة التي أنتشرت الى حد كبير بحيث باتت حتى البيوت العادية لأناس بسطاء يركبونها حول منازلهم بحيث تعرض المشاهد المحرزة تلك الأفعال الجرمية التي قام بها الجاني لتشاهدها الآلاف ومئات الآلاف بل الملايين من الأفراد وهذه حالة غريبة جدا إذا ما علمنا بأنه حتى لو كان العصر والزمان قد تبدل وتغير إلا أن قوانين الدول بشأن ضرورات المحافظة على سلامة التحقيق وحسن سيره والمحافظة على هيبة القانون والمحاكم والخصوصيات المتعلقة بطبيعة سير العمل القضائي لم تتغير وهي أكثر من حدتها السابقة بهذا الخصوص لأن الأمر غير متعلق فقط بالأسباب أعلاه بل يتعداها لتشمل محاذير المس بالحقوق الفردية الخاصة سواءاً لأطراف الدعوى أو المس بالشعور العام لجمهور الشعب فضلا لما تنتج من آثار سلبية غاية في الخطورة في الانفس البشرية وهي أنفس متعددة مختلفة متباينة وليست كلها على قلب رجل واحد من الشعور بالمسؤولية إزاء الأولويات في الحياة سواءاً كانت إنسانية أو قانونية أو متعلقة بأمن الأسرة والأمن الإجتماعي وحتىبالأمن العام للمجتمع ,,

إن كل جريمة إن شوهدت وقائعها فهي تحمل الكثير من الإثارة للمشاعر وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة تبعا لنوع الجريمة ومديات الجسامة فيها ,,

هنا في العراق وفي أقليم كُردستان العراق يُمنع قانونا منعا باتا عرض المحاكمات أو عملية التحقيق في الجرائم وهذا المنع هو قانوني وعرفي معا وله من الفوائد ما يفوق الأضرار ,,

لكن في المقابل وبسبب تقدم وسائل الإتصال السمع - البصرية وبسبب وفرتها وبسبب وفرة وتقدم وسيلة المراقبة المتمثلة بالكاميرات فإنه بات من السهولة واليسر مشاهدة وقائع الجرائم وأحداثها ,,

إن عرض الجرائم ووقائعها كلا او جزءا هو أمر ممنوع في أمريكا وأوربا وتخضع عمليات الإفراج عن الأشرطة لإجراءات قانونية صعبة وليس من المسموح لوسائل الإعلام عرض كل محتوى صوري وفق رغباتها وإنما الأمر خاضع لإجراءات وشروط غاية في الصعوبة لإن عرض الجريمة على عامة الناس يحمل جوانب سلبية كثيرة ربما لا تتوقف عند حد تعلم الناس للجريمة أو الإيحاء النفسي لهم بذلك أو جرح المشاعر وأستثارتها وإصابة الفرد والمجتمع على السواء بالأمراض النفسية ,,,

حين حدثت جريمة قتل تلك العائلة العراقية الكُردية في بغداد عرض أعتراف الجاني من قبل الفضائيات العراقية الكُردية هنا ثم لاحقا من قبل الفضائيات العراقية الأخرى في بغداد ,, هذه العملية خطأ فادح , لا بل إنه يشكل جريمة وفق قانون العقوبات ,,

وهذه الأيام وقعت الجريمة التي هزت كيان مجتمعنا بقيام تلك المرأة المنكوبة برمي أطفالها في نهر دجلة من أعلى الجسر, تم عرض مشاهد الجريمة على الناس والجمهور العام !! ,, علماً إن الأداة المستخدمة في التصوير هي كاميرات مراقبة حكومية وخاضعة لسلطات الدولة ,, من سمح ومن منح الأذن بعرض المحتوى المصور هذا ؟!,,

بالله عليكم هل يُعقل عرض هكذا مشاهد على الجمهور العام وعلى أفراد الشعب ؟!,,!,,

قبل شهر من الآن تحديدا أقدمت إمرأة المانية على جز عنق أطفالها الخمس وفر السادس منها وأخبر السلطات هناك بالجريمة المروعة تلك التي أقدمت عليها أمهم الغير السوية تلك وفق كل المعايير لترتكب عدة جرائم جنائية جسيمة ومروعة وبحق أطفالها ليهز خبرها المنشور كتابة فقط مشاعر الخلق عبر العالم كله لكن من منكم شاهد صورة الأم الجانية تلك ؟,, ألا تتوفر كاميرات مراقبة في ألمانيا ايضا ؟! , ألا يتوفر لدى المحقق وضابط الشرطة الألماني جهاز موبايل ايضا ليصور تلك الأم الجانية أثناء تحقيقه معها ؟!,,!,,

من منكم شاهد ولو صور بسيطة مسربة للضحايا ؟,,

لا أحد ,,السبب هو لأن السلطات الألمانية والقانون الألماني مثل بقية قوانين الدول عبر العالم ومنها القانون العراقي يمنع عرض هكذا صور ومشاهد لأن ذلك إضافة لكونها تشكل خطرا وضررا بالغا على التحقيق في القضية المراد التحقيق فيها فإنها تشكل جريمة أخرى مستقلة بحد ذاتها ,, ,,

لكن ما يحدث هنا في العراق وفي أقليم كُردستان العراق هو ان لا احد يأبه بهكذا محاذير , أي أن الغالبية هنا تتشوق لمشاهدة العرض الممنوع وفي الغالب يتولى بعض الأشخاص داخل الأجهزة المختصة والسلطات المختصة عرض المحتوى الممنوع ويتولى مخالفة القانون بنفسه في خطوة أقل ما يُقال عنها بأنها غير مسؤولة وغير مقدرة للنتائج والآثار السلبية ولا نعلم هل إن الأجهزة الغير المقدرة للنتائج السلبية تلك تريد أن تقول للناس بأنها تمتلك كاميرات ذات جودة عليا وأكثر تقنية من الكاميرات الألمانية ؟! ,,

أم أنها سعيدة بتبجحها بشيء ما ؟,, هل القيام بالواجب القانوني والوظيفي يستدعي النشر والإذاعة ؟!,,إن الإستمرار في هذا النهج الغير المقدر للمسؤولية والمخالف للقانون اصلا سوف يؤدي الى إلحاق أضرار بالغة بطبيعة الإنسان العراقي ونفسيته وسوف تزداد الهوة والشقاق في جدار الثقة بالقانون من قبل أفراد المجتمع , إذ إننا سوف نصل في النهاية جميعا الى حقيقة طغيان الجانب السلبي على الجانب الإيجابي , فعلى سبيل المثال لا تستطيع سلطة القانون عرض مشهد إعدام الجان القاتل مثلا على الجمهور العام بل تكتفي بنشر خبر إعدامه هذا في وقت كانت جريمة الجاني قد عرضت على الجمهور العام وعبر وسائل الإتصال والإعلام العامة ,,أي أننا سنكون إزاء حالة الجريمة المعروضة بالصورة والصوت والكتابة وفي المقابل هنالك عقاب غير مرئي وغير ظاهر للجمهور العام ,,وهذا ما سيؤدي الى زيادة الفجوة بين الناس او الأفراد والقانون,  !,,

من هنا يتبين لك سبب زعزعة الثقة لدى الناس بالقانون ,, فالقانون المتمثل بالمحاكم ووقائعها ممنوعة من العرض ,,بينما الجريمة معروضة على الجمهور العام !! ,,

أي أن صورة الجريمة موجودة لكن العقوبة غائبة على الأقل من حيث الصورة,

لهذا كله يجب إصدار التعليمات المناسبة من قبل السلطات المختصة سواءا في العراق أو أقليم كُردستان العراق الى الجهات المختصة وتذكرتها بالإمتناع عن نشر وقائع الجرائم في وسائل الإتصال والإعلام إلا في الحدود المسموح بها وبعد إذن الجهة القضائية المختصة وضمن الحدود المسموح بها قانونا وهذا ما يؤكد عليه الدستور

 

 

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها
التعليقات


آخر الاضافات